يوسف المرعشلي

732

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

المنطق بجزيرة الأندلس كانوا يعبرون عن المنطق بالمفعل تحرزا عن صولة الفقهاء ، حتى إن بعض الوزراء أراد أن يشتري لابنه كتابا في المنطق فاشتراه خفية خوفا منهم مع أنه أصل كل علم وتقويم كل ذهن انتهى . قال الغزالي : من لم يعرف المنطق فلا ثقة له في العلوم أصلا ، حتى روي عن بعضهم أنه فرض كفاية ، وعن بعضهم فرض عين . قال الشيخ أبو علي ابن سينا : المنطق نعم العون على إدراك العلوم كلها ، وقد رفض هذا العلم وجحد منفعته من لم يفهمه ولا اطلع عليه عداوة لما جهل ، وبعض الناس ربما يتوهم أنه يشوش العقائد مع أنه موضوع للاعتبار والتحرير ، وسبب هذا التوهم أن من الأغبياء الأغمار الذين لم تؤدبهم الشريعة من اشتغل بهذا العلم واستضعف حجج بعض العلوم فاستخف بها وبأهلها ظنا منه أنها برهانية لطيشه وجهله بحقائق العلوم ومراتبها ، فالفساد منه لا من العلم ، قالوا : ويستغني عنه المؤيد من اللّه تعالى ومن علمه ضروري ، ويحتاج إليه من عداهما . فإن قلت : إذا كان الاحتياج بهذه المرتبة فما بال الأئمة المقتدى بهم كمالك والشافعي وأبي حنيفة - رحمهم اللّه تعالى - لم ينقل عنهم الاشتغال به ، وإنما هو من العلوم الفلسفية ، وقد شنع العلماء على من عرّبها وأدخلها في علوم الإسلام . ونقل عن ابن تيمية الحنبلي أنه كان يقول : ما أظنّ اللّه تعالى يغفل عن المأمون العباسي ولا بد أن يعاقبه بما أدخل على هذه الأمة . فجوابه : إن ذلك مركوز في جبلاتهم السليمة وفطرهم المستقيمة ، ولم يفتهم إلا العبارات والاصطلاحات كما ذكر في علم النحو ا ه . أقوال من نفى ثمرته والرد على من ذهب إلى ذلك قال الإمام الذهبي في « تاريخ الإسلام » في ترجمة الإمام الغزالي : وقال أبو عمرو ابن الصلاح : فصل لبيان أشياء مهمة أنكرت على الغزالي منها قوله في المنطق : هو مقدمة العلوم كلها ، ومن لا يحيط به فلا ثقة بعلومه أصلا ، وهذا مردود فكل صحيح الذهن منطقي بالطبع ، وكيف غفل الشيخ أبو حامد حال مشايخه ومشايخهم من الأئمة وما رفعوا بالمنطق رأسا ا ه . وقال ابن القيم في كتابه « مفتاح دار السعادة » « 1 » بعد أن ذكر فوائد العلوم والحاجة إليها : وأما المنطق فلو كان علما صحيحا كان غايته أن يكون كالمساحة والهندسة ونحوها ، فكيف وباطله أضعاف حقه ، وفساده وتناقض أصوله واختلاف مبانيه توجب مراعاتها للذهن أن يزيغ في فكره ، ولا يؤمن بهذا إلا من قد عرفه وعرف فساده وتناقضه ومناقضة كثير منه للعقل الصريح ، وأخبر بعض من كان قد قرأه وعني به أنه لم يزل متعجبا من فساد أصوله وقواعده ومبانيها لصريح المعقول ، وتضمنها لدعاو محضة غير مدلول عليها ، وتفريقه بين متساويين وجمعه بين مختلفين ، فيحكم على الشيء بحكم وعلى نظيره بضد ذلك الحكم ، أو يحكم على الشيء بحكم ثم يحكم على مضاده أو مناقضه به ، قال : إلى أن سألت بعض رؤسائه وشيوخ أهله عن شيء من ذلك فأفكر فيه ثم قال : هذا علم قد صقلته الأذهان ، ومرت عليه من عهد القرون الأوائل أو كما قال : فينبغي أن نتسلمه من أهله وكان هذا من أفضل ما رأيت في المنطق . قال : إلى أن وقفت على رد متكلمي الإسلام عليه وتبيين فساده وتناقضه ، فوقفت على مصنف لأبي سعيد السيرافي النحوي في ذلك ، وعلى رد كثير من أهل الكلام والعربية عليهم ، كالقاضي أبي الطيب ، والقاضي عبد الجبار ، والجبائي وابنه ، وأبي المعالي وأبي قاسم الأنصاري ، وخلق لا يحصون كثرة . ورأيت استشكالات فضلائهم ورؤسائهم لمواضع الإشكال ومخالفتها ما كان ينقدح لي كثير منه . ورأيت آخر من تجرد للرد عليهم شيخ الإسلام ( يعني به ابن تيمية ) رضي اللّه عنه ، فإنه أتى في كتابيه الكبير

--> ( 1 ) ذكره في الكلام على قوله صلى اللّه عليه وسلم « طلب العلم فريضة على كل مسلم » ( ص 164 ) .